كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ هِيَ وَآيَاتٌ بَعْدَهَا فِي الْيَهُودِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ}، نَهَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذِهِ الْأُمَّةَ أَنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهُمْ، اهـ، أَيْ: أَنْ يَكُونُوا مِثْلَ الْيَهُودِ فِي ذَلِكَ، وَإِذَا صَحَّ هَذَا فَالْمُرَادُ بِهِ- وَاللهُ أَعْلَمُ- الِاعْتِبَارُ بِمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}، إِلَى قَوْلِهِ: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [2: 246].
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْآيَةَ فِي جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِمُ الْمُنَافِقُونَ وَالضُّعَفَاءُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَلَّفَهُمْ مُخَالَفَةَ عَادَتِهِمْ فِي الْغَزْوِ وَالْقِتَالِ لِأَجْلِ الثَّأْرِ، وَلِأَجْلِ الْحَمِيَّةِ وَالْكَسْبِ، وَأَمَرَهُمْ بِكَفِّ أَيْدِيهِمْ عَنِ الِاعْتِدَاءِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَنَاهِيكَ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ، حَتَّى خَمَدَتْ مِنْ نُفُوسِ أَكْثَرِهِمْ تِلْكَ الْحَمِيَّةُ الْجَاهِلِيَّةُ، وَحَلَّ مَحَلَّهَا أَشْرَفُ الْعَوَاطِفِ الْإِنْسَانِيَّةِ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَتَمَنَّى لَوْ يُفْرَضُ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَبَعْضُ السَّابِقِينَ رَأَوْا تَرْكَهُ ذُلًّا وَطَلَبُوا الْإِذْنَ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونُوا هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ خَشْيَةً مِنَ النَّاسِ بَلْ ذَلِكَ فَرِيقٌ آخَرُ مِنْ غَيْرِ الصَّادِقِينَ، عَلَى أَنَّهُ لَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ- لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْحِكَمِ وَالْأَسْبَابِ- كَانَ كُرْهًا لِجُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [2: 216]، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْعَزْمِ وَالْيَقِينِ أَطَاعُوا وَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَكَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ قِتَالِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقِتَالِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ وَمَرْضَى الْقُلُوبِ فَكَانُوا قَدْ أَنِسُوا وَسَكَنُوا إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ مِنْ تَرْكِ الْقِتَالِ وَكَفِّ الْأَيْدِي فَنَالَ مِنْهُمُ الْجُبْنُ، وَأَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، وَكَرِهُوا الْمَوْتَ لِأَجْلِهَا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ الْإِيمَانِ الرَّاسِخِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ أَثَرُ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْأَعْدَاءِ حَتَّى رَجَّحُوهُ عَلَى الْخَشْيَةِ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسَهُلَ عَلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهُ بِالْقُعُودِ عَنِ الْقِتَالِ وَهُوَ يَقُولُ: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [3: 175]، وَاسْتَنْكَرُوا فَرْضَ الْقِتَالِ وَأَحَبُّوا لَوْ تَأَخَّرَ إِلَى أَجَلٍ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ، أَيْ هَلَّا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَنْ نَمُوتَ حَتْفَ أُنُوفِنَا بِأَجَلِنَا الْقَرِيبِ، هَكَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْمُرَادُ بِالْأَجَلِ الْقَرِيبِ الزَّمَنُ الَّذِي يَقْوَوْنَ فِيهِ وَيَسْتَعِدُّونَ لِلْقِتَالِ بِمِثْلِ مَا عِنْدَ أَعْدَائِهِمْ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَكُونُوا قَصَدُوا أَجَلًا مُعَيَّنًا مَعْلُومًا، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِمَحْضِ الْهَرَبِ وَالتَّفَصِّي مِنَ الْقِتَالِ، كَمَا تَقُولُ لِمَنْ يُرْهِقُكَ عُسْرًا فِي أَمْرٍ: أَمْهِلْنِي قَلِيلًا أَنْظِرْنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ} أَيْ: إِنَّ عِلَّةَ اسْتِنْكَارِكُمْ لِلْقِتَالِ وَطَلَبِكُمُ الْإِنْظَارَ فِيهِ؛ إِنَّمَا هِيَ خَشْيَةُ الْمَوْتِ، وَالرَّغْبَةُ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا وَلَذَّاتِهَا، وَكُلُّ مَا يُتَمَتَّعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَتَاعِ الْآخِرَةِ لِأَنَّهُ مَحْدُودٌ، فَإِنَّ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى لِأَنَّ مَتَاعَهَا كَثِيرٌ وَبَاقٍ لَا نَفَادَ لَهُ وَلَا زَوَالَ، وَإِنَّمَا يَنَالُهُ مَنِ اتَّقَى الْأَسْبَابَ الَّتِي تُدَنِّسُ النَّفْسَ بِالشِّرْكِ وَبِالْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ كَالْجُبْنِ وَالْقُعُودِ عَنْ نَصْرِ الْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَالْخَيْرِ عَلَى الشَّرِّ، وَإِذَا كَانَتِ الْآخِرَةُ خَيْرًا لِلْمُتَّقِينَ، فَهِيَ شَرٌّ وَوَبَالٌ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَجْزِيُّونَ هُنَالِكَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْ وَلَا تُنْقَصُونَ مِنَ الْجَزَاءِ الَّذِي تَسْتَحِقُّونَهُ بِأَثَرِ أَعْمَالِكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِقْدَارَ فَتِيلٍ، وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي شِقِّ نَوَاةِ التَّمْرَةِ مِثْلَ الْخَيْطِ، أَوْ مَا يُفْتَلُ بِالْأَصَابِعِ مِنَ الْوَسَخِ عَلَى الْجِلْدِ أَوْ مِنَ الْخُيُوطِ، يُضْرَبُ هَذَا مَثَلًا فِي الْقِلَّةِ وَالْحَقَارَةِ، وَقِيلَ: لَا تُنْقَصُونَ أَدْنَى شَيْءٍ مِنْ آجَالِكُمْ، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: {يُظْلَمُونَ} عَلَى الْغِيبَةِ لِتَقَدُّمِهَا وَالْبَاقُونَ {تُظْلَمُونَ} بِالْخِطَابِ، ثُمَّ جَاءَ بِمَا يَذْهَبُ بِأَعْذَارِهِمْ، وَيَنْفُخُ رُوحَ الشَّجَاعَةِ وَالْإِقْدَامِ فِي الْمُسْتَعِدِّينَ مِنْهُمْ فَقَالَ:
أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ أَيْ: إِنَّ الْمَوْتَ حَتْمٌ لَا مَفَرَّ مِنْهُ وَلَا مَهْرَبَ، فَهُوَ لابد أَنْ يُدْرِكَكُمْ فِي أَيِّ مَكَانٍ كُنْتُمْ وَلَوْ تَحَصَّنْتُمْ مِنْهُ فِي الْبُرُوجِ الْمُشَيَّدَةِ، وَهِيَ الْقُصُورُ الْعَالِيَةُ الَّتِي يَسْكُنُهَا الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ فَيَعُزُّ الِارْتِقَاءُ إِلَيْهَا بِدُونِ إِذْنِهِمْ، أَوِ الْحُصُونُ الْمَنِيعَةُ الَّتِي تَعْتَصِمُ فِيهَا حَامِيَةُ الْجُنْدِ، شَيَّدَ الْبِنَاءَ يُشَيِّدُهُ عَلَّاهُ وَأَحْكَمَ بِنَاءَهُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يَبْنِيَهُ بِالشِّيدِ وَهُوَ- بِالْكَسْرِ- كُلُّ مَا يُطْلَى بِهِ الْحَائِطُ كَالْجِصِّ وَالْبَلَاطِ، يُقَالُ: شَادَّ الْبِنَاءَ إِذَا جَصَّصَهُ، قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَكُلُّ مَا أُحْكِمَ مِنَ الْبِنَاءِ فَقَدْ شُيِّدَ، وَتَشْيِيدُ الْبِنَاءِ إِحْكَامُهُ وَرَفْعُهُ، أَيْ: لِأَنَّ فِي التَّفْعِيلِ مَعْنًى مِنَ الْمُبَالَغَةِ وَالْكَثْرَةِ فِي الشَّيْءِ، وَأَجَازَ الرَّاغِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْبُرُوجِ بُرُوجَ النَّجْمِ وَيَكُونَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْمُشَيَّدَةِ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ وَتَكُونَ الْإِشَارَةُ بِالْمَعْنَى إِلَى نَحْوِ مَا قَالَ زُهَيْرٌ:
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ** وَلَوْ نَالَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ

وَإِذَا كَانَ الْمَوْتُ لَا مَفَرَّ عَنْهُ وَلَا عَاصِمَ، وَكَانَ الْمَرْءُ يَخُوضُ مَعَامِعَ الْقِتَالِ فَيُصَابُ وَلَا يَمُوتُ، وَيُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ فِيهَا أَحْيَانًا فَلَا يُصَابُ بِجُرْحٍ وَلَا يُقْتَلُ، وَقَدْ يَمُوتُ الْمُعْتَصِمُ فِي الْبُرُوجِ وَالْحُصُونِ اغْتِضَارًا، وَإِذَا كَانَ الْإِقْدَامُ عَلَى الْقِتَالِ هُوَ أَقْوَى أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنَ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْجُبَنَاءَ يُغْرُونَ أَعْدَاءَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ لِعَدَمِ دِفَاعِهِمْ عَنْهَا، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِعْدَادُ لِلْقِتَالِ وَالْإِقْدَامُ فِيهِ لِأَجْلِ الدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِّ وَحِمَايَةِ الْحَقِيقَةِ وَمَنْعِ الْبَاطِلِ أَنْ يَسُودَ وَالشَّرِّ أَنْ يَفْشُوَ- مُوجِبًا لِمَرْضَاةِ اللهِ وَلِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ، فَمَا هُوَ عُذْرُكُمْ أَيُّهَا الْقَاعِدُونَ الْمُبْطِئُونَ؟
وَطَعْمُ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ حَقِيرٍ ** كَطَعْمِ الْمَوْتِ فِي أَمْرٍ عَظِيمِ

فَلِمَاذَا تَخْتَارُونَ لِأَنْفُسِكُمُ الْحَقِيرَ عَلَى الْعَظِيمِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعُقَلَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ؟
كَانَ مِنْ مَرَضِ قُلُوبِ هَؤُلَاءِ أَنْ كَرِهُوا الْقِتَالَ وَجَبُنُوا عَنْهُ وَخَافُوا النَّاسَ وَتَمَنَّوْا بِذَلِكَ طُولَ الْبَقَاءِ، فَكَانَ هَذَا صَدْعًا فِي دِينِهِمْ وَعُقُولِهِمْ قَامَتْ بِهِ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ، ثُمَّ ذَكَرْنَا شَأْنًا آخَرَ مِنْ شُئُونِهِمْ يُشْبِهُهُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَرَضِ الْقَلْبِ وَالْعَقْلِ فَقَالَ:
وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْحَسَنَةُ مَا يَحْسُنُ عِنْدَ صَاحِبِهِ كَالرَّخَاءِ وَالْخَضْبِ وَالظَّفَرِ وَالْغَنِيمَةِ، كَانُوا يُضِيفُونَ الْحَسَنَةَ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا بِشُعُورِ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ بَلْ غُرُورًا بِأَنْفُسِهِمْ، وَزَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُمْ بِهَا عِنَايَةً بِهِمْ، وَهُرُوبًا مِنَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ أَثَرُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الْهِدَايَةِ، وَمَا حَاطَهُمْ بِهِ مِنَ التَّرْبِيَةِ وَالرِّعَايَةِ، وَلِذَلِكَ كَانُوا يَنْسُبُونَ إِلَيْهِ السَّيِّئَةَ وَهُوَ صلى الله عليه وسلم بَرِيءٌ مِنْ أَسْبَابِهَا، دَعْ إِيجَادَهَا وَإِيقَاعَهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ، وَالسَّيِّئَةُ مَا يَسُوءُ صَاحِبَهُ كَالشِّدَّةِ وَالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْهَزِيمَةِ وَالْجَرْحِ وَالْقَتْلِ، كَانَ الْمُنَافِقُونَ وَالْكُفَّارُ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ فِي الْمَدِينَةِ سَيِّئَةٌ بَعْدَ الْهِجْرَةِ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ شُؤْمِ مُحَمَّدٍ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ: إِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ لِوُقُوعِهَا فِي مُلْكِهِ عَلَى حَسَبِ سُنَنِهِ فِي نِظَامِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا أَيْ: فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَمَاذَا أَصَابَ عُقُولَهُمْ حَالَ كَوْنِهَا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْغَوْصِ فِي أَعْمَاقِ الْحَدِيثِ وَفَهْمِ مَقَاصِدِهِ وَأَسْرَارِهِ! فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ حَقِيقَةَ حَدِيثٍ يُلْقُونَهُ وَلَا حَقِيقَةَ حَدِيثٍ يُلْقَى إِلَيْهِمْ قَطُّ، وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ بِمَا يَطْفُو مِنَ الْمَعْنَى عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ بَادِئَ الرَّأْيِ، وَالْفِقْهُ مَعْرِفَةُ مُرَادِ صَاحِبِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ وَحِكْمَتِهِ فِيهِ مِنَ الْعِلَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَيْهِ وَالْغَائِيَّةِ لَهُ، وَإِذَا كَانُوا قَدْ فَقَدُوا هَذَا الْفِقْهَ وَحُرِمُوهُ مِنْ كُلِّ حَدِيثٍ، فَأَجْدَرُ بِهِمْ أَنْ يُحْرَمُوهُ مِنْ حَدِيثٍ يُبَلِّغُهُ الرَّسُولُ عَنْ وَحْيِ رَبِّهِ فِي حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ وَنِظَامِ الِاجْتِمَاعِ وَسُنَنِ اللهِ فِي الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ، فَهَذِهِ الْمَعَارِفُ الْعَالِيَةُ لَا تُنَالُ إِلَّا بِفَضْلِ الرَّوِيَّةِ وَذَكَاءِ الْعَقْلِ وَطُولِ التَّدَبُّرِ، وَمَنْ نَالَهَا لَا يَقُولُ بِأَنَّ سَيِّئَةً تَقَعُ بِشُؤْمِ أَحَدٍ، وَإِنَّمَا يُسْنِدُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى السَّبَبِ، أَوْ إِلَى وَاضِعِ الْأَسْبَابِ وَالسُّنَنِ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.
وَفِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ الرَّشِيدِ أَنْ يَطْلُبَ فِقْهَ الْقَوْلِ دُونَ الظَّوَاهِرِ الْحَرْفِيَّةِ، فَمَنِ اعْتَادَ الْأَخْذَ بِمَا يَطْفُو مِنَ الظَّوَاهِرِ دُونَ مَا رَسَبَ فِي أَعْمَاقِ الْكَلَامِ وَمَا تَغَلْغَلَ فِي أَنْحَائِهِ وَأَحْنَائِهِ يَبْقَى جَاهِلًا غَبِيًّا طُولَ عُمْرِهِ.
بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِي السَّيِّئَاتِ وَالْحَسَنَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَوْضُوعِهَا وَسُنَنِ الِاجْتِمَاعِ فِيهَا، وَأَنَّهَا كُلَّهَا تُضَافُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فِيهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ:
مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، قِيلَ: إِنَّ الْخِطَابَ هُنَا لِكُلِّ مَنْ يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؛ وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَالْمَعْنَى مَهْمَا يُصِبْكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَهِيَ مِنْ مَحْضِ فَضْلِ اللهِ الَّذِي سَخَّرَ لَكَ الْمَنَافِعَ الَّتِي تَحْسُنُ عِنْدَكَ لَا بِاسْتِحْقَاقِ سَبْقٍ لَكَ عِنْدَهُ، وَإِلَّا فَبِمَاذَا اسْتَحْقَقْتَ أَنْ يُسَخِّرَ لَكَ الْهَوَاءَ النَّقِيَّ الَّذِي يُطَهِّرُ دَمَكَ، وَيَحْفَظُ حَيَاتَكَ، وَالْمَاءَ الْعَذْبَ الَّذِي يَمُدُّ حَيَاتَكَ وَحَيَاةَ كُلِّ الْأَحْيَاءِ الَّتِي تَنْتَفِعُ بِهَا، وَهَذِهِ الْأَزْوَاجُ الْكَثِيرَةُ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ وَحَيَوَانَاتِهَا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَوَادِّ الْغِذَاءِ وَأَسْبَابِ الرَّاحَةِ وَالْهَنَاءِ، وَمَهْمَا يُصِبْكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّكَ أُوتِيتَ قُدْرَةً عَلَى الْعَمَلِ وَاخْتِيَارًا فِي تَقْدِيرِ الْبَاعِثِ الْفِطْرِيِّ عَلَيْهِ مِنْ دَرْءِ الْمَضَارِّ وَجَلْبِ الْمَنَافِعِ، فَصِرْتَ تَعْمَلُ بِاجْتِهَادِكَ فِي تَرْجِيحِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ وَالْمَقَاصِدِ عَلَى بَعْضٍ فَتُخْطِئُ فَتَقَعُ فِيمَا يَسُوؤُكَ، فَلَا أَنْتَ تَسِيرُ عَلَى سُنَنِ الْفِطْرَةِ وَتَتَحَرَّى جَادَّتَهَا، وَلَا أَنْتَ تُحِيطُ عِلْمًا بِالسُّنَنِ وَالْأَسْبَابِ وَضَبْطِ الْهَوَى وَالْإِرَادَةِ فِي اخْتِيَارِ الْحَسَنِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا تُرَجِّحُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي حِينٍ دُونَ حِينٍ بِالْهَوَى أَوْ قَبْلَ الْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ بِالنَّافِعِ وَالضَّارِّ مِنْهَا فَتَقَعُ فِيمَا يَسُوؤُكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا عَمِلْتَ السَّيِّئَاتِ.
وَتَفْصِيلُ الْقَوْلِ أَنَّ هُنَا حَقِيقَتَيْنِ مُتَّفِقَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ، وَأَنَّهُ وَاضِعُ النِّظَامِ وَالسُّنَنِ لِأَسْبَابِ الْوُصُولِ إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِسَعْيِ الْإِنْسَانِ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَسَنٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّهُ مَظْهَرُ الْإِبْدَاعِ وَالنِّظَامِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقَعُ فِي شَيْءٍ يَسُوؤُهُ إِلَّا بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ فِي اسْتِبَانَةِ الْأَسْبَابِ وَتَعَرُّفِ السُّنَنِ، فَالسَّوْءُ مَعْنًى يَعْرِضُ لِلْأَشْيَاءِ بِتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تَسُوؤُهُ وَلَيْسَ ذَاتِيًا لَهَا وَلِذَلِكَ يُسْنَدُ إِلَى الْإِنْسَانِ.
مِثَالُ ذَلِكَ: الْمَرَضُ، فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَسُوءُ الْإِنْسَانَ، وَهُوَ إِنَّمَا يُصِيبُهُ بِتَقْصِيرِهِ فِي السَّيْرِ عَلَى سُنَّةِ الْفِطْرَةِ فِي الْغِذَاءِ وَالْعَمَلِ فَيَجِيءُ مِنْ تُخْمَةٍ قَادَتْهُ إِلَيْهَا الشَّهْوَةُ، أَوْ مِنْ إِفْرَاطٍ فِي التَّعَبِ أَوْ فِي الرَّاحَةِ، أَوْ مِنْ عَدَمِ اتِّقَاءِ أَسْبَابِ الضَّرَرِ كَتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلْبَرْدِ الْقَارِسِ أَوِ الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَهُ مِنْ أَسْبَابِ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تَرْجِعُ كُلُّهَا إِلَى الْجَهْلِ بِالْأَسْبَابِ وَسُوءِ الِاخْتِيَارِ فِي التَّرْجِيحِ، وَالْأَمْرَاضُ الْمَوْرُوثَةُ مِنْ جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ فَهِيَ مِنْ نَفْسِهِ أَيْضًا لَا مِنْ أَصْلِ الْفِطْرَةِ وَالطَّبِيعَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ مَحْضِ خَلْقِ اللهِ دُونَ اخْتِيَارِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، فَوَالِدَاهُ يَجْنِيَانِ عَلَيْهِ قَبْلَ وُجُودِهِ بِتَعْرِيضِ أَنْفُسِهِمَا لِلْمَرَضِ الَّذِي يَنْتَقِلُ إِلَى نَسْلِهِمَا بِالْوِرَاثَةِ، كَمَا يَجْنِيَانِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ بِتَعْرِيضِهِ هُوَ لِلْمَرَضِ فِي صِغَرِهِ بِعَدَمِ وِقَايَتِهِ مِنْ أَسْبَابِهِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ اخْتِيَارُهُمَا لَهُ قَائِمًا مَقَامَ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ.
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا خَاصًّا: غَزْوَةَ أُحُدٍ، أَصَابَتِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا سَيِّئَةٌ كَانَ سَبَبُهَا تَقْصِيرَهُمْ فِي الْوُقُوفِ عِنْدَ أَسْبَابِ الْفَوْزِ وَالظَّفَرِ فَعِصْيَانَ قَائِدِ عَسْكَرِهِمْ وَرَسُولِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرَكَ الرُّمَاةُ مِنْهُمْ مَوْقِعَهُمُ الَّذِي أَقَامَهُمْ فِيهِ لِلنِّضَالِ وَكَانَ ذَلِكَ لِخَطَأٍ فِي الِاجْتِهَادِ سَبَبُهُ الطَّمَعُ فِي الْغَنِيمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ مِنَ الْجُزْءِ الرَّابِعِ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ حَسَنَهَا وَسَيِّئَهَا تُسْنَدُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُقَالُ: إِنَّهَا مِنْ عِنْدِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ هُوَ الْخَالِقُ لِمَوَادِّهَا وَالْوَاضِعُ لِسُنَنِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ فِيهَا، وَيُسْنَدُ إِلَى الْإِنْسَانِ مِنْهَا كُلُّ مَالَهُ فِيهِ كَسْبٌ وَعَمَلٌ اخْتِيَارِيٌّ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَوِ السَّيِّئَاتِ، وَقَدْ مَضَى بِهَذَا عُرْفُ النَّاسِ وَأَيَّدَتْهُ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [6: 160]، فَلِمَاذَا جَعَلَ هُنَا إِصَابَةَ الْحَسَنَةِ مِنْ فَضْلِ اللهِ تَعَالَى مُطْلَقًا وَإِصَابَةَ السَّيِّئَةِ مِنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ مُطْلَقًا؟
فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا: أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ حَقٌّ، وَمَا فِي الْآيَةِ حَقٌّ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ، وَالْمَقَامُ الَّذِي سِيقَتِ الْآيَةُ لَهُ هُوَ بَيَانُ أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: نَفْيُ الشُّؤْمِ وَالتَّطَيُّرِ وَإِبْطَالُهُمَا لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ مَا يُصِيبُهُمْ مِنَ السَّيِّئَاتِ لَا يُصِيبُهُمْ بِشُؤْمِ أَحَدٍ يَكُونُ فِيهِمْ، وَكَانُوا يَتَشَاءَمُونَ وَيَتَطَيَّرُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يَزَالُ التَّطَيُّرُ وَالتَّشَاؤُمُ فَاشِيًا فِي الْجَاهِلِينَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ، وَهُوَ مِنَ الْخُرَافَاتِ الَّتِي يَرُدُّهَا الْعَقْلُ وَقَدْ أَبْطَلَهَا دِينُ الْفِطْرَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [7: 131]، فَقَدْ جَعَلَ التَّطَيُّرَ مِنَ الْجَهْلِ وَفَقْدِ الْعِلْمِ بِالْحَقَائِقِ.